النويري
6
نهاية الأرب في فنون الأدب
وقال بعض البلغاء : الملك من تبيضّ آثار أياديه ، وتسودّ أيّام أعاديه ؛ وتخضرّ مواقع سيبه ، وتحمرّ مواضع سيفه ؛ وتصفرّ وجوه [ 1 ] حسّاده ، وتروق أعين أنداده . وقال سهل بن هارون : الملك صبىّ الرضا ، كهل الغضب ؛ يأمر بالقتل وهو يضحك ، ويستأصل شأفة القوم وهو يمزح ، يخلط الجدّ بالهزل ، ويتجاوز في العقوبة قدر الذنب ، وربما أحفظه الذنب اليسير ، وربما أعرض صفحا عن الخطب الكبير ؛ أسباب الموت والحياة متعلَّقة بطرف لسانه ، لا يعرف ألم العقوبة فيبقى ، ولا يؤنّب على بادرة فينتهى ، يخطئ فيصوّب ويصيب فيفترض ، مفتون الهوى فظَّ الخليقة أخرق العقوبة ، لا يمنعه من ذي الخاصّة به ما يعلم من عنايته [ 2 ] وطول صحبته أن يقتله بخطرة من خطرات موجدته ، ثم لا ينفكّ ان يخطب إليه موضعه ، فلا الثاني بالأوّل يعتبر ، ولا الملك عن مثل ما فرط منه يزدجر . قال عمرو بن هند : الملوك يشتمون بالأفعال لا بالأقوال ، ويسفّهون بالأيدي لا بالألسن . قال معبد بن علقمة : وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ونشتم بالأفعال لا بالتّكلَّم وأما ما يفضّل به الملك على غيره ، فقد قيل : تميّز الملك على غيره إنما يكون بفضيلة الذات لا بفضيلة الآلات . وفضل ذات الملك بخمس خصال : رحمة تشمل رعيّته ، ويقظة تحوطهم ، وصولة تذبّ عنهم ، ولين يكيد به الأعداء ، وحزم ينتهز به الفرص ، فهذه فضيلة الذات .
--> [ 1 ] الذي بالأصل : وجوده ، وهو تحريف ظاهر . [ 2 ] بالأصل « عناية » وأضفناه إلى الضمير ليشاكل تاليه .